صرخة الميلاد

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

الزمان : القرن الحادي والعشرون

المكان : إحدى المستشفيات في بقعة على كوكب الأرض

وقع أقدام تتسارع جيئةً وذهاباً أمام قسم الولادة

وصمت يخيم على المكان لا يقطعه إلا صرخة مدوية تنطلق من إحدى الغرف معلنة عن ميلاد طفل صغير من بني البشر

فرحة غامرة تعلو محيا الأب وابتسامة راحة بعد ألم ترتسم على وجه الأم

تنقضي الساعات و تعود الأسرة الصغيرة إلى البيت

يحمل الأب ابنه بين ذراعيه وكل أمنيته أن يراه رجلاً يرث اسمه وعمله من بعده

أما الأم فغاية مناها أن تراه عريساً وأن تمتع ناظريها برؤية أولاده الذين هم أحفادها

*****

تمر الأيام ويكبر الرضيع وتتفتح عيونه على الدنيا ويمتلئ قلبه بالأمنيات

تارةً يقول أريد أن أصبح طبيباً

وأخرى يتخيل نفسه داعية من الدعاة

وثالثة يحلم أن يصبح عالماً يملأ صيته الدنيا

أما ما يطبق على أرض الواقع هو ما رسمه الأب والأم من أحلام متواضعة

وتمضي السنوات تلو السنوات

سنوات من الدراسة العادية

تنتهي بوظيفة عادية

وتتلاشى الأحلام

وتتبخر الأمنيات

و يصبح طفل الأمس المفعم بالحيوية مجرد رجلاً عادياً يتزوج وينجب مثل باقي البشر

*****

وها هو الآن يقف على أعتاب سن الأربعين يقلب دفاتر الماضي ويستعيد ذكريات الطفولة المليئة بالأحلام التي لم يبق منها إلا الذكرى

ذكرى يتجرع مرارتها كلما نظر إلى حاله اليوم وقد أصبح مجرد نسخة وصورة عن أبيه

صورة رسمها الأب والأم وجسدتها الحياة العادية التي عاشها الابن

*****

قد يظن من يمر بنفس هذه الظروف أن عقارب الزمن توقفت

وتصل به الحال إلى تمني الموت وانتظاره  بفارغ الصبر

صحيح أنه لا يمكن أن يعيد الزمن إلى الوراء ليحقق ما كان يحلم به

لكن صرخة الميلاد يمكن أن تتكرر

صرخة ليست إعلاناً بقدوم مولود إلى الدنيا

لكنها صرخة في وجه اليأس

صرخة في وجه الإحباط

صرخة في وجه الكسل

صرخة في وجه الفشل

*****

فيا قارئ الكلمات إن كان قد تقدم بك العمر وتسربت من بين يديك السنوات دون أن تحقق شيئاً يذكر ، لا تيأس فباب الأمل مفتوح

وإن كان الوقت قد فات على تحقيق حلمك ، فكن معيناً لأبنائك على الوصول إلى أفضل مما وصلت إليه واترك لهم المجال لرسم أحلامهم بأنفسهم و تحقيقها بطموحهم

وإن لم يكن لك أبناء ، فازرع الأمل فيمن حولك من البراعم التي لازالت تتفتح

أما إن كنت لازلت في مقتبل العمر ، فخذ العبرة من هذه القصة وابدأ من الآن في التغيير

و اصرخ في وجه كل ما يعيقك عن التقدم

اصرخ في وجه إهدار الأوقات أمام الشاشات بلا هدف محدد

اصرخ في وجه أصحاب السوء الذين يجرونك للوراء

و لتكن هذه صرخة ميلادك من جديد

نقطة . ومن أول السطر

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

—–

( نقطة . ومن أول السطر )

لازلت أذكر هذه العبارة التي كثيراً ما كانت تُوجه لنا في حصة الإملاء

وقتها كانت الأقلام تستجيب على الفور

وكنا كلما سألنا : لماذا نضع نقطة في نهاية السطر ونتركه لنذهب إلى سطر آخر رغم أن السابق قد لا يكون اكتمل ولا حتى امتلأ بالكلمات ؟

كان معلمو اللغة العربية الأفاضل يجيبونا أن النقطة هنا تعلن عن نهاية فقرة وبداية فقرة جديدة بسطر جديد

فين أيامك يا حصة الإملاء

*****

* ليتنا نتخطى اليوم سطوراً من الذنوب والأخطاء ونضع نقطة لنبدأ سطراً جديداً عنوانه : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }

—–

* ليتنا نخرج من السباق ونترجل عن صهوة جواد الهوى لنمتطي جواد التقوى فيطوي وراءه السطور ويضع نقطة تعلن عن بداية سطر جديد نسير عليه بتأنِ شعارنا : ( نفسِ لا كنتِ ولا كان الهوى * اتقي المولى وخافي وارهبي )

—–

* ليتنا نضع نقطة في وجه أعاصير الحب وزوابع الكرْه ونبدأ سطراً جديداً كُتب في أوله : ( أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما )

—–

* ليتنا نسد فوهات براكين الغضب الأعمى بنقطة تفسح الطريق لسطر جديد حروفه : ( من أطاع غضبه أضاع أدبه )

—–

* ليتنا نتحرر من أَسْر الجاه وعبودية المال ونترك نقطة وراءنا تعلن أنه : ( لا دار للمرء بعد الموت يسكنها * إلا التي كان قبل الموت يبنيها / فإن بناها بخير طاب مسكنه * وإن بناها بشرّ خاب بانيها )

—–

* ليتنا نضع نقطة تخلع عنا رداء التفاخر بالحسب والنسب والتعصب للبلد الفلاني والقبيلة الفلانية ونلبس رداءً مطرزاً بـ : ( كن ابن من شئت واكتسب أدباً * يغنيك محموده عن النسب )

—–

* ليتنا نخرج من سراديب الأحزان وقبور اليأس ونضيء طريقنا بنقطة تقود سطراً بدايته : ( دع الأيام تفعل ما تشاء * وطب نفساً إذا حكم القضاء / ولا تجرع لحادثة الليالي * فما لحوادث الدنيا بقاء )

*****

تتسارع الأمنيات فهل ستتحقق ؟ أم أن زماننا عزّت فيه النقاط وطغت فيه زحمة المرور حتى على أوائل السطور فلم يعد المارّ يجد له مكاناً يقف عليه لينطلق من جديد ؟

في المشمش !

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

للأسف أصبحنا نقابلهم في كل مكان

والمصيبة لو كان بعضنا مثلهم وهو لا يشعر ولا يدري

—–

إذا حدّثتَهم عن الأمل

قالوا : سيتحطم على صخرة الفشل

—–

وإن قُمتَ تُخطط للقادم وتستعد

قالوا : عِش يومك واترك الغد للغد

—–

ولو قلتَ : بمشيئة ربي سأنجح فيما هو آت

قالوا : يا فلان ، ألم تتّعِظ مما فات !

—–

وعندما تذكر أمامهم كلمة الطموح

تبدأ رائحة الاستهزاء منهم تفوح

—–

أما إن قلتَ : سنعيد حضارتنا وتستعيد أمتنا دور الريادة ومركز الصدارة

لوجدتَ هذا يقيس نبضك وذاك يمسّ جبينك ويظنوك تُهلوس من شدة الحرارة

—–

نعم هم المُحَبِّطون والمُيَئِسون من أقصدهم ، فمن حالهم لا تتعجب ومن قولهم لا تُدهَش

فمَن فقد الأمل استسلمَ للفشل ، ولو سُئل عن الأماني : متى تحدث ؟ فجوابه دوماً : في المشمش !

فيا قارئنا الكريم قل لي : كيف تتعامل مع مَن كلما أردتَ أن تتقدم ، سحبوك للخلف

وأوهموك بوجود مائة عائق وعائق ، بل ربّما ألف ؟

————————————————————

* في المشمش : كلمة يقولها الناس في بعض البلاد ويقصدون بها صعوبة نيل الشيء ، يعني = هيهات


لــ حــ ظــ ا ت ( 2 )

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

*****

لحظات تجمعنا بأشخاص


وجوه و أسماء


*****

 

مصادفة ؟


لا ليست مصادفة

 

بل هي أقدار قدرها لنا مدبّر الأكوان


*****

 

نحبهم

 

نحترمـهم


نتفاعل معـهم


يقولون لـنا


ونحكي لـهم

*****

تمتزج أفراحـنا بأفراحـهم


وتذوب أحزانـنا في أحزانـهم


نصل لدرجة الالتحام


فنصبح نحن هُم


ويصبحوا هُم نحن



*****

 

فجأة تتغير اللحظات

 

يضعفون


ويخطئون

 

أما نحن فتتقاذفنا اللحظات

 

نهبّ لنصحهم

 

لنجدتـهم


لكن هيهات


*****

 

هيهات فالخوف يُكبّلنا

 

نخاف أن نثقلـهم بنصائحـنا فيهجرونا


وما أثقل النصح على قلوب بني البشر

 

فنقرر الصمت للحظات


 

ونصمت



ونصمت


ونصمت


حتى نتعب من الصمت ويشتكي الصمت منا


فتسمع شكواه تلك اللحظات

 

لحظات الحقيقة


تنهرنا

 

تستصرخ ضمائرنا


تقذفـنا بِوابل من أسئلة لا نجد ملاذاً منها إلا الإجابة عليها

 

إلى متى ؟


إلى متى نصمت وأحبابنا يغرقون ؟

 

إلى متى نصمت وهم في الوهم يتيهـون ؟


أليسوا منا ونحن منـهم أم ترانا نسيـنا كما هم يتناسون ؟


*****

 

وتظل لحظات الحقيقة وأسئلتها تطاردنا

 

في اليقظة وفي النوم


تطاردنا حتى نستفيق من الحلم


فنمد أيديـنا لـهم بحب


ونعانقـهم بكلماتـنا الحانية المشفقة

*****

نصارحـهم


هنا أخطأتم


وهنا ضعفـتم


وهنا تنازلـتم


وهنا أسأتم


وهنا تقاعسـتم


وهنا تأخرتم


 

فهلا عدتم ؟

*****

 

ونظل ننتظرهم

 

وتستمر بـنا اللحظات ….


أواني المطبخ !

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

*****

وأخيراً أنهت غسل الأواني ولم يتبقَ إلا رصها وترتيبها في مكانها

وكعادتها جسدٌ في المطبخ وفكر شارد فيما تبقى لها من أعمال

*****

كنتُ أراقبها باهتمام وهي تحمل الأواني كلها دفعة واحدة باستعجال ، لعلها بذلك توفر بعض الثواني لتستغلها في العمل التالي

ليست المرة الأولى التي أراها فيها على حالتها هذه

لكن لا أعرف لماذا هذه المرة بالذات سرحت بخيالي بعيداً وفكرتُ في حالي

وعجباً لهذا الخيال الذي ربط بين الأواني – التي بقيت عيني معلقة عليها – وبين حالي وطموحاتي وما أرغب في إنجازه من أهداف

*****

ربما لأن طموحاتي كثيرة ومتنوعة كتلك الأواني

أو ربما لأنها متزاحمة مختلطة داخل عقلي وقلبي تماماً مثل الأواني التي تشتاق كل واحدة منها للاستقرار في مكانها المخصص لها

أو لعلها رغبتي في إنجازها كلها دفعة واحدة وبأسرع وقت كصاحبتنا هذه “حاملة الأواني”

أعود وأقول : عجباً لك أيها الخيال !

*****

وبينما أنا على هذه الحال ما بين تعجب وسؤال

إذا بصوت شديد يوقظني من حالة السرحان

نعم ، هو ما خطر ببالكم

سقطت الأواني

وكما حملتها “صاحبتنا” دفعة واحدة ، سقطت كلها دفعة واحدة

فلا هي وُضعت في مكانها ، ولا بقيت على حالها حتى يحين وقت تنظيمها

وأضاعت “صاحبتنا” أضعاف الوقت الذي أرادت اختصاره

أما أنا فتركتُها مشغولة في لم ما تبعثر

وعدتُ للتفكير في حالي عسى ألا يصير إلى ما صارت إليه تلك الأواني

ليست مجرد نقطة

كل شيء في الحياة مهما صغر أو قل شأنه – في أعين الناظرين وأفئدتهم – تبقى له أهمية

حتى النقطة

فما بالك ببني البشر

لـــ حـــ ظـــ ا ت (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

*****

الحياة ؟

ما هي الحياة إلا سويعات

ساعة فرح و ساعة حزن

*****

العمر ؟

ما هو العمر سوى لحظات

لحظة نشوة و لحظة حقيقة

*****

لحظة نشوة يعمينا فيها بريق الشهرة فلا نرى إلا أنفسنا

يصم آذاننا صوت التصفيق فلا نسمع إلا أصواتنا

تخدعنا أمواج الإطراء والمديح لنركبها فتعلو بنا

وتعلو

وتعلو

حتى يخيل إلينا أننا وصلنا إلى قمة أعلى الجبال وكادت رؤوسنا تلامس السحاب

تعصف بنا رياح الثقة الزائدة والإعجاب بالنفس

فتحملنا معها لترفعنا

وترفعنا

وترفعنا

حتى نظن أننا نلامس النجوم بأيدينا

*****

فجأة تحين لحظة الحقيقة

لحظة تنكشف فيها الغشاوة التي فوق أعيننا

ويخفت صوت المصفقين حتى يتلاشى

و تصمت رياح الزهو التي بداخلنا

وتقذفنا الأمواج إلى شاطئ الحقيقة لتهدأ

وتهدأ

وتهدأ

*****

وتعود صفحة مياه بحار قلوبنا صافية كالمرآة

ننظر فيها فلا نرى إلا حقيقتنا

حقيقة أن بداخل كل منا مزيج من كل شيء

من العلم و الجهل

الغنى و الفقر

الصحة و المرض

الصواب و الخطأ

الصلاح و الخطايا

*****

حقيقة أننا من تراب

وأننا عائدون إلى التراب

*****

حقيقة إذا أدركناها جيداً

ستصبح حياتنا لحظات صفاء

ويصبح عمرنا لحظات سلام داخلي

فلا تغرينا كلمات المديح فتجرنا للكِبْر

ولا تقهرنا كلمات الذم فتدفعنا للتقليل من تقديرنا لذاتنا

ويبقى الأمل في الشوط الإضافي


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
***************



من غير سابق ميعاد تجمعوا

وعلى أرض الملعب نزلوا

خفضوا كل الأعلام

ورفعوا راية موحدة

وباختلاف الملامح و الألوان

انضموا تحت لواء واحد

***************

وانطلقت صافرة الحكم

وبدأت المباراة

***************

في الشوط الأول كان الهدف واضحاً للجميع

نقشوه بحروف من نور على رايتهم الواحدة

وساروا نحوه بخطوات ثابتة ومدروسة

حتى إذا كانوا على مرمى حجر من إحرازه

انطلقت الصافرة معلنة نهاية الشوط الأول

***************

استراحة قصيرة سادها تفاؤل مختلط بخوف وترقب

ومع بداية الشوط الثاني حبست الأنفاس

ثم زاد الحماس

وتسارعت الخطى

واقتربوا أكثر فأكثر من الشباك

***************

فجأة لمعت في الأفق أضواء

ألوانها تسلب الألباب

وبريقها يزيغ الأبصار

فجحظت العيون

وتباطأت الخطى

وشُغِل الجميع عن هدفهم إلا هو

***************

ظل يحث الخطى

ويتقدم

ويتقدم

فإذا بصافرة الحكم تنطلق لتعلن عن نهاية المباراة

***************

التفت يميناً وشمالاً

فلا الظهير الأيمن رأى

ولا الظهير الأيسر أبصر

***************

وبقى هو وحيداً عند خط المنتصف

ينادي على من ألهتهم الزخارف

وشغلتهم الأضواء

أن أقبلوا

لازال الهدف أمامنا واضحاً وضوح الشمس

هلموا

أين اتفاقنا الذي كان بالأمس ؟

***************

ولما بُحّ صوته من كثرة النداء على فريقه

قرر خوض الشوط الإضافي بمفرده

وواصل بثبات مسيره كعادته

لعله يدرك ما فاته

ومضى للأمام نحو هدفه

يحدوه الأمل في عودة رفاقه

طاخ طاخ بووووووووووم

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيام قليلة وتنقضي سنة 2011

وكالعادة سيبدأ معظمنا مراجعة ما حملته هذه السنة من ذكريات

********************

شتاء ، ربيع ، صيف ، خريف

أفراح ، أحزان ، نجاحات ، إخفاقات

هكذا ستكون صفحة 2011 في دفتر ذكريات البعض

********************

لكن البعض الآخر صفحتهم مغايرة

صفحة عنوانها العريض ربيع

أما سطورها فكتبتها ساعات طويلة من الخوف والقلق والترقب والانتظار

وسيل من الأسئلة : مَن؟ و لماذا؟ ،  كيف؟ و متى؟ و إلى أين؟

أسئلة فرضتها أصوات أزيز الطائرات ودوي الانفجارات ومختلف أنواع الإطلاقات

وأنين أحلام مُؤجلة ومشاريع مُعطلة أُوصدت في وجهها الأبواب

ونسيج معقد من الانفعالات المتشابكة التي يصعب فكّها

والمزيد من الألغاز التي لا حل لها

وآلام وجراح لن يكون من السهل على الأيام مداواتها

والكثير الكثير من المشاعر والأحاسيس المختلطة التي تعجز الأقلام عن وصفها

********************

وسواء كنا من البعض الأول أو الآخر فهناك حقيقة لا يمكن إنكارها

وهي أن سنة 2011 ستنتهي بحلوها ومرها ولن يبقى منها إلا الذكريات

حقيقة مهمة والأهم منها ألا نقف طويلاً في محطة الذكريات

فعقارب الساعة تدور والكون من حولنا يسير

إلى جدي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جدّي الحبيب :

أتخيلك ترى ما ينعم به شباب اليوم من تكنولوجيا وأجهزة ومخترعات

ولسان حالك يقول :

ألا ليت الشباب يعود يوماً

*****************

تنظر إلى نفسك في المرآة

وترى وجهك وقد حفرت فيه تجاعيد الزمن الأخاديد

وتقارنه بوجه ذلك الشاب اليافع الغارق حتى أذنيه في حياة العزّ والرفاهية

فتعود لتقول :

ألا ليت الشباب يعود يوماً

*****************

تسبح في بحور الذكريات

أيام الأربعينات والخمسينات والستينات

من قرن مضى وفات

أيام كانت فيها الكهرباء معجزة

والراديو ثروة

والتليفزيون أمنية

والإنترنت ضرب من الخيال

وتقارن تلك الذكريات بعالم شباب اليوم

عالم الموبايلات والفضائيات

والشبكة العنكبوتية و ( ربنا يستر مما هو آت )

ثم تتنهد تنهيدتك الضعيفة التي أنهكتها الأيام

وتردد في نفسك :

ألا ليت الشباب يعود يوماً

*****************

نعم يا جدّي أضم صوتي لصوتك رغم علمي أنه لن يعود

ليت شبابك يعود يوماً لا لتخبره بما فعل المشيب

لكن ليخبرك هو عن عالمنا اليوم

عن تكنولوجيا أسيء استخدامها وكثر قراصنتها

عن عقول انفصلت عن واقعها واستبدلته بعوالم الأحلام والأوهام

عن قلوب هشّة تكسرها أبسط الكلمات

عن نفوس ضعيفة تنقاد وراء الأسراب والجماعات

عن عيون تذرف العَبرات على أعتاب معسول العبارات

*****************


أرجوك يا جدّي الحبيب

دع شبابك هناك حيث كان

ولا تستدعيه لعالمنا

دعه ينعم بذهن صافي

بنفس قانعة بأبسط الإمكانيات

بعقل في مأمن من المجهول

من الصدمات

من التعقيدات

من الآهات المنثورة على صفحات الإنترنتات

لو سألوها

كثيراً ما ترمز الشمعة للعطاء

فيا ترى لو علمت الشمعة مسبقاً ما سيؤل إليه حالها لاحقاً ،

هل كانت ستسير في نفس الطريق – طريق الاحتراق من أجل الآخرين ؟

لا تكبر

ألا يا طفل لا تكبر * ألا يا طفل لا تكبر
فهذا عهدك الأغلى * وهذا عهدك الأطهر
فلا هم ولا حزن * ولا ضغط ولا سكر
وأكبر كذبةٍ ظهرتْ * على الدنيا: “متى أكبر”

يعجبني كثيراً هذا الاقتباس

لكنه دوماً يثير لدي تساؤل

هل فعلاً الأطفال لا يعرفون الهموم ؟

هل سينتصر الواقع ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

خياله واسع

له قدرة على التعبير

ميوله أدبية

ما أجمل كتاباته

هكذا كانوا يصفونه وهو صغير

وهكذا كانوا يفخرون به في كل مجلس

كبر الغلام

وزاد حبه للأدب ونهمه بكل جميل من الكلمات مسموعة كانت أو مقروءة

فراح يسبح في عالمها ويشارك في فضائها

*************************

لكن من كانوا يشجعونه بالأمس القريب ،

وصفوه اليوم بأنه كمن يسبح ضد التيار

تيار الواقع

واقع اختلفت فيه مقاييس التعبير وجمال الكلمات

كلمات أصبحت في نظرهم لا تسمن ولا تغني من جوع في هذه الحياة

حياتنا التي بحسب قولهم لم يعد فيها مكان لأصحاب الذوق الأدبي والإحساس المرهف

إحساس انكسر بعصا الواقع

عصا باتوا يلوحون بها في وجهه مرددين أقسى العبارات والأوصاف

*************************

عبارات من قبيل :

ألا تشاهد أخبار العالم ؟

ألا ترى القتلى والأشلاء ؟

أي مكان للإبداع الأدبي في دنيا الصراعات والدمار والدماء ؟

وأوصاف من أخوات :

أنت واهم

أنت حالم

أنت في عالم غير العالم

*************************

نعم هو الواقع للأسف

لكن هل نستسلم له ونقتل الأمل ونخنق الخيال والأحلام ؟

ظلموك !

ظلموك حين جعلوك أسير حُب بشري

حب يظل ناقص مهما اكتمل

حب لا يروي ولو كان كنهر جارٍ

ظلموك !

ولو عرفوا الحب الحقيقي ما ظلموك

” اللهم إني أسألك حبك وحب من أحبك وحب عمل يقربني لحبك “

حكاية صبر

بسم الله الرحمن الرحيم

كان ياما كان

في عصرنا وليس في قديم الزمان

إنسانة بسيطة حلمت حلم بسيط

لكن بساطة الحلم اصطدمت بصخرة الواقع فكانت أضعف من أن تقاوم تعقيداته

فما كان من صاحبتنا البسيطة إلا أن حدّثت نفسها الهشّة قائلةً :

” أُصَبِّر نفسي وأنا أعلم الناس بنفسي

أقول سيحدث فترُدّ نفسي قائلةً انسي “

*****

حديث أشبه بحوار كانت الغلبة فيه للنفس

وآه من بعض النفوس

*****

استسلمَتْ الفتاة لهشاشة نفسها ونسيت حلمها

أو هكذا سوّلَتْ لها نفسها

مرّت السنوات

وكبرت الفتاة

وكبر الحلم

*****

مرّت السنوات

ونضجت الفتاة

وأنضجت الحلم

*****

مرّت السنوات

وببساطتها المعهودة واجهت الفتاة نفسها

وختمت حوارها الذي بدأتْه معها منذ سنين خَلَتْ قائلةً لها :

  ” يا نفس لا لن أنْسَ فاسمعيني

لا اليأس ينفعني ولا النسيان يشفيني

*****

سأظل أَذْكُر آمالاً وأحلاما

أثْرَت فؤادي وأغْنَت روحي أياما

*****

سيظل قلبي ظمآناً إلى حلمي

وسيبقى الحلم حياً ممزوجاً بدمي

*****

سأصبر حتى أحقق حلمي أوتفارقيني

سأصبر وربي سيعطيني ويرضيني “